خاص ..

عبد الرحيم أحمد

شارك مقالة كليك لديك ..

فيالق “الناتو” والحرب الأوكرانية

فيالق “الناتو” والحرب الأوكرانية

تشهد الحرب الروسية الأوكرانية بعد مضي شهر على اندلاعها انخراطاً غربياً متزايداً في الصراع الذي تتهم موسكو الولايات المتحدة والناتو بالتخطيط له، انخراط يتمحور حتى اليوم عبر ثلاثة فيالق تقودها الولايات المتحدة الأمريكية.

الفيلق الأول هو “فيلق الإعلام”، فبالرغم من الحديث الغربي المقزز عن حرية الإعلام واستقلاليته لن يجد المتابع الغربي اليوم في وسائل إعلامه حيادية في تناول الحرب في أوكرانيا والتي هي في الحقيقة حرب بين واشنطن وموسكو.

لقد تعودنا في الحروب أن تصطف وسائل الإعلام إلى جانب طرفي الحرب أو النزاع أياً يكن شكله، لكن الحرب الإعلامية اليوم أخذت شكلاً جديداً، وبمعزل عن الاصطفاف الإعلامي كما السياسي، لم يعد مسموحاً للرأي العام العالمي والغربي بشكل خاص الإطلاع على الأحداث من مصادر إعلامية متعددة، لأن واشنطن قررت “إسكات” الإعلام الآخر وهو هنا الإعلام الروسي، فقد تم حظر بث وسائل الإعلام الروسية الرئيسية RT  و Sputnik في معظم الدول الأوروبية ودول الناتو، وسمحت منصات التواصل الاجتماعي الغربية بالتحريض ضد روسيا فيما فرضت قيوداً على أي محتوى يدعم وجهة النظر الروسية، ليصبح العالم تقريباً أمام رأي واحد وصورة واحدة، تضخها منافذ الإعلام الغربي باتجاه واحد.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل نجد أن “فيلق الإعلام الغربي” بدأ إطلاق “صواريخه العابرة للقارات” عبر منصاته الإعلامية المسيطرة على مصادر المعلومات وحواملها بهدف شيطنة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وتصوير المعركة بأنها معركته الشخصية وليست معركة روسيا وشعبها في مواجهة التهديدات التي يشكلها “الناتو” الذي رفض التوقيع على ترتيبات وضمانات أمنية مشتركة تحقق الأمن للجميع وليس أمن بلد على حساب بلد آخر.

ما يحدث اليوم في الحرب الإعلامية الغربية ضد روسيا لم يحدث في التاريخ سوى في الحرب الإرهـ.ـابية على سورية حيث تم إنزال القنوات السورية عن الأقمار العربية والأوروبية، بهدف طمس الحقيقة والترويج لرواية غربية واحدة، لكنها لم تنجح في إسكات صوت الحقيقة.

إقرأ أيضاً : جيل الحرب.. أي ذاكرة تكونت؟

“فيلق الإعلام الغربي” اليوم يدعي حمل لواء أخلاقيات الدفاع عن أوكرانيا، والترويج لأخلاقيات غير موجودة أصلا لدى حلف “الناتو”، فتحت الترويج لزعم الدفاع عن أوكرانيا يعمل الحلف على إطالة أمد الحرب ليس دفاعاً عن الشعب الأوكراني وإنما لإلحاق أكبر ضرر ممكن بروسيا، (الرئيس الأمريكي جو بايدن قال.. سنعمل لجعل بوتين يدفع تكلفة اقتصادية باهظة لحربه، ورئيس الوزراء البريطاني تكفل بإرسال 6 آلاف صاروخ مضاد للدروع وكذلك السويد تعهدت بـ 5 آلاف صاروخ) لذلك نراه مستعداً لتزويد أوكرانيا بالسلاح الذي يتيح لها مواصلة القتال حتى آخر أوكراني قادر على حمل السلاح، ولكنه يحجم عن البحث عن حلول لوقف الحرب.

أما الفيلق الثاني فهو “فيلق الاقتصاد” الذي يستخدمه الغرب كأحد الأسلحة الإستراتيجية ضد خصومه.. وفي حالة الحرب الاقتصادية الغربية ضد روسيا رأينا كيف تحركت واشنطن ودول “الناتو” وفرضت سلسلة عقوبات اقتصادية قاسية خارج إطار القانون الدولي ومنظمة الأمم المتحدة والتي شملت حرباً على قطاع المال والأعمال والتجارة والصناعة والنقل والثقافة الروسية تحت عنوان محاصرة الرئيس بوتين.

هذا الفيلق وإن كانت معركته مؤثرة على الخصم، لكنها في الحرب الروسية الغربية ستكون نتائجها كارثية على الجميع، وخصوصاً أوروبا التي تعتمد في مصادر الطاقة لديها على الغاز الروسي بنسبة 40 % ، لذلك نرى أن صواريخ “الفيلق الاقتصادي” بدأت تتفجر في أوروبا قبل روسيا، إذ ارتفعت أسعار الطاقة والمواد الأخرى في الدول الأوروبية بنسب عالية، وصلت في الغاز إلى 78% والبلاتين 69% والنفط الخام 35% والفحم 30% وبدأ المسؤولون الأوروبيون بالتوجع والحديث عن عدم تحمل حظر إمدادات الطاقة الروسية كما قال وزير الاقتصاد الألماني روبرت هابيك.

أما الفيلق الثالث فهو “الفيلق الدولي” الذي أعلن الرئيس الأوكراني عن تشكيله من مرتزقة أجانب في انتهاك فاضح للقانون الدولي وهو شكل مطّور لما فعلته واشنطن في أفغانستان قبل خمسة عقود من الزمن عندما أرادت حشد كل إرهـ.ـابيي العالم تحت عنوان “الجهاد” ضد الإتحاد السوفييتي، وفي سورية أيضاً حيث فتحت الدول الغربية وبعض دول الجوار مطاراتها وأراضيها ومعابرها أمام تدفق الإرهـ.ـابيين من مختلف أرجاء العالم والذين بلغ عددهم عشرات الآلاف.

أما اليوم فإن الحديث عن “الفيلق الدولي” أخذ بعداً مختلفاً إذ بدأت الحكومات والبرلمانات في العديد من الدول الغربية تشجّع وتشرّع مشاركة مواطنيها في تلك الحرب. ولا يخفى على أحد أن هندسة فكرة هذا الفيلق هي اختراع أمريكي، مثبت خصوصاً أنه بزغ في الأيام الأولى للحرب في إطار توريط روسيا في حرب طويلة الأمد واستنزافها إلى أبعد حد ممكن بهدف إلحاق الهزيمة بها، بحسب تصريحات أغلب المسؤولين الغربيين وعلى رأسهم مسؤولي البيت الأبيض.

الصحافة الغربية تقول أن وزير الدفاع الجورجي السابق، إراكلي أوكرواشفيلي انضم إلى الفيلق الدولي إلى جانب عشرات المرتزقة من الدول الغربية ونشرت صوراً له يحمل صواريخ لاو بريطانية مضادة للدبابات، وبحسب كييف فإن 20 ألف مقاتل أجنبي قد التحقوا بالفيلق الدولي، بينهم عدد من الأمريكيين والبريطانيين الذين قاتلوا في العراق وأفغانستان حيث تعمل البعثات الدبلوماسية الأوكرانية في الخارج لنقل المرتزقة المجندين عبر بولندا، وقد أعلنت موسكو توجيه عدة ضربات صاروخية لمراكز تدريب وتجميع هؤلاء المرتزقة غرب أوكرانيا وقضت على العشرات منهم.

خطورة “الفيلق الدولي” تكمن في سعي بعض الدول (مثل بريطانيا وبولندا وألمانيا والدنمارك) لتشريع إرسال المقاتلين الأجانب للمشاركة في الحروب بين الدول وهذا الأمر أكبر من كونه خرقاً للقانون الدولي، لأن هذا الفيلق سيكون نواة لتنظيم إرهـ.ـابي جديد يتم تشكيله بموافقة وتشريع دول وحكومات، خصوصاً أننا نعلم جيداً كيف استولدت خطوة الولايات المتحدة لحشد المقاتلين الأجانب في أفغانستان تنظيم القـ.ـاعدة وخطوتها في سورية استولدت تنظيمي داعـ.ـش وجبـ.ـهة النـ.ـصرة الإرهـ.ـابيين.

لا شك أن لجوء “الناتو” إلى هذه الفيالق في حربه ضد روسيا دليل ضعف، فهو غير قادر على تحريك فيالقه العسكرية التي يفاخر بها لأن من شأن ذلك الدخول في حرب عالمية ثالثة كما يدّعي.. فهل ما يجري أقل من حرب عالمية؟!!

جميع الحقوق محفوظة

2022

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع