مقالات

تركيا وحماس وقطر.. أي تحول؟   

تركيا وحماس وقطر.. أي تحول؟   

 

التغيرات التي تشهدها المنطقة غير منفصلة، من التوجه التركي المعلن نحو المصالحة مع دمشق إلى بيان حماس التمهيدي لطلب المغفرة من سورية وصولاً إلى التلميحات القطرية بإمكانية الحوار مع القيادة السورية، كلها مترابطة في مكان ما.

أهي بسبب صمود دمشق واستعصاء كسر إراداتها، أم مقدمة لمخطط جديد؟ هل هي سياسة الاضطرار بعد الحرب الروسية الغربية في أوكرانيا، أم هي مزيج من كل هذا وذاك؟

الحديث التركي المتكرر وعلى أعلى المستويات وخصوصاً من الرئيس أردوغان عن إمكانية الحوار مع القيادة السورية، ولاحقاً طلب أنقرة من “الكيانات والتنظيمات والشخصيات المعارضة” التي صنّعتها واستضافتها منذ أحد عشر عاماً، البحث عن مأوى لها خارج تركيا قبل نهاية العام الجاري، مؤشر على جديّة تركيا في التوجه نحو فتح قنوات الاتصال والحوار مع دمشق، هذا إن لم يكن قد بدأ الحوار بحسب بعض التسريبات الصحفية التركية.

تكتيك انتخابي أم تحول حقيقي؟

 

كثير من التحليل قيل في أسباب التحول التركي، بعضه ربطه بالانتخابات الرئاسية التركية العام المقبل والتي يطمح الرئيس أردوغان لكسب جولتها، وهو في سبيل ذلك يمكن أن يتحالف مع أشد أعدائه خصومة، خصوصاً وأن “العامل السوري” سواء في بعده الاقتصادي أم في بعده السياسي، يشكل جزءاً هاماً من المنافسة على الرئاسة مع المعارضة التركية التي تحمًل أردوغان مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع التركية اقتصادياً واجتماعياً بسبب التدخل في الشأن الداخلي السوري واستضافة “المعارضة السورية” وملايين اللاجئين.

فيما ربطه البعض الآخر بمحاولة أردوغان كسب ود روسيا التي طلبت منه فتح قنوات الاتصال مع دمشق، وما يمكن أن يكسبه من دعم اقتصادي روسي هو بأمس الحاجة إليه في ظل المصاعب الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، وتشكل عاملاً حاسماً في الانتخابات الرئاسية المقبلة أيضاً.

ومهماً تكن الحسابات التركية المعلنة وغير المعلنة للتحول تجاه دمشق فإنه لابد من الحذر والتوجس حيال رئيس النظام التركي الذي أغمد سيفه في ظهر سورية بعد عقدٍ من التقارب والوئام.

وكان خلال السنوات العشر الماضية من أكثر الداعمين للإرهاب وما يزال شريكاً لهم في محاولة تفكيك الدولة السورية وإضعافها، وإن أعلن عكس ذلك من حرص على وحدة تراب سورية وسلامة أراضيها، فكثير من الأفعال تكون عكس الكلام الذي يقال على الإعلام.

شروط سورية وأخرى مضادة تركية للمصالحة تم تسريبها في الإعلام، لكنها بلا شك معقدة للغاية وخصوصاً على الأرض باعتبار تركيا تحتل أراض سورية واسعة في الشمال وفي إدلب وهي تدعم عسكرياً ولوجستياً تنظيمات مصنفة إرهابية على قوائم الأمم المتحدة.

لكن المصالحة ليست مستحيلة في حال صدقت النوايا، ونحن السوريين ينبغي ألاّ نثق سوى بالأفعال على الأرض وبضمانات تكفل عدم عودة النظام التركي لسياساته العدوانية.

دمشق قادرة على انجاز الترتيبات واتخاذ الإجراءات التي تضمن الأمن والاستقرار في منطقة الحدود ومنع الاعتداء على الأراضي التركية حال نفذت أنقرة مسؤولياتها بالانسحاب من الأراضي السورية وتوقفت عن دعم التنظيمات الإرهابية وما تطلق عليه “المعارضة المسلحة” واحترمت حقوق الجوار في السيادة والأمن والمياه وغيرها.

هل أدركت حماس خطيئتها الكبرى مع دمشق؟ 

 

أما بالنسبة لحركة حماس، تشكل أنقرة مرجعيتها الأيديولوجية التي تأتمر بأمرها سياسياً وفكرياً، باعتبار الحركة فرع من تنظيم “الإخوان المسلمين” الذي يشكل حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا رأسه وموجهه، وحاول النظام التركي تعويم التنظيم خلال فترة ما يسمى “الربيع العربي” في مختلف الدول العربية من تونس إلى ليبيا ومصر وسورية، لكن المحاولة فشلت فشلاً ذريعاً.

وقد يكون تحرك قيادة حماس الجديد صدى للتحرك التركي، ولا ينبي عن تحول حقيقي في سياسة وأيديولوجيا الحركة التي احتضنتها دمشق وحمتها ورعتها وقدمت لها الدعم السياسي والعسكري في الوقت الذي كانت فيه ملاحقة من قبل جميع دول المنطقة والعالم، وصدّت الولايات المتحدة ورفضت طلبها طرد الحركة من دمشق “طلبات وزير الخارجية الأمريكي كولن باول عام 2003” في أوج عنجهية واشنطن بعد احتلال العراق مباشرة.

فهل أدركت الحركة خطيئتها الكبرى مع دمشق عندما طعنتها في الظهر والقلب معاً واستخدمت السلاح والتدريب والتكتيك الذي قدمته لها سورية لضرب عاصمتها ومحاولة إسقاطها؟ أم أن الأمر مجرد ارتباط بالتحول الإقليمي وخصوصاً التركي؟

هل أدركت الحركة حجم الكارثة التي تركتها على القضية الفلسطينية بانخراطها في مخطط ضرب سورية؟ هل استعادت الحركة بوصلة المقاومة وأدركت أن “الجهاد” ضد المحتل الإسرائيلي هو الأولوية وليس ضرب الدولة السورية؟

بيان حماس الذي عبر عن تقدير الحركة لسورية قيادة وشعبا لدورها في الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة واعترافها بأن دمشق احتضنت الشعب الفلسطيني وفصائله المقاومة لعقود من الزمن، وهو ما يستوجب الوقوف معها، ينبغي أن يكون وعياً وليس بياناً فقط، ينبغي أن يكون سلوكاً لا كلاماً فقط حتى يبنى على الشيء مقتضاه.

السوريون يعلمون جيداً أن النظام التركي كان وإلى اليوم رأس حربة للإرهابيين وظهيراً وحامياً لهم، فهو الذي بدأ بفتح حدوده ومطاراته لطوفان الإرهابيين المرتزقة الذين احتلوا المناطق الحدودية، وجنوده اليوم يحمون إرهابيي “جبهة النصرة” في إدلب، ويعلمون أيضاً أن حماس شكلت بكوادرها المدربة العمود الفقري لضرب الدولة السورية وتمكين الإرهابيين من الاستيلاء على مناطق عدة وتهجير أهلها وضرب مقومات الحياة فيها.

قطر.. تمنّعٍ أم انتظار؟

 

أما قطر والتي تشكل الضلع الثالث في مثلث تحالف الإخوان المسلمين ضد سورية والتي كانت مصدر تمويل كبير للحرب الإرهابية ضد الشعب السوري، مازالت متمسكة بنهجها العدائي ضد دمشق وإن أبدت بعض التصريحات التي نقلتها وكالة قنا الرسمية عن أميرها تميم بن حمد آل ثاني ليونة ما تجاه الحوار مع سورية.

اللافت أن أمير قطر حاول التنصل من علاقة الدوحة بتنظيم الإخوان المسلمين بالرغم من استضافتها لمنظر التنظيم الإرهابي الشيخ يوسف القرضاوي الذي أفتى من الدوحة بالجهاد ضد الدولة السورية…فهل تنتظر أمر عمليات جديد؟

والسوريون اليوم يسألون ما هي الخطوة التالية للتصريحات التركية، ويأملون أن تكون الانعطافة التركية ومعها القطرية وحماس جدية وفعلية وليست تكتيكاً في ديمومة الحرب ضد بلدهم أو مقدمة لحرب من نوع آخر.

فرغبة الرئيس أردوغان التي أبداها بلقاء الرئيس الأسد في قمة شنغهاي لو أنه حضر، ستبقى أمنية غير قابلة للتحقق إن لم يتحرك النظام التركي ويتخذ خطوات عملية على الأرض تظهر تغيراً حقيقياً في الموقف، فسورية ليست في وارد تكرار تجربة الطعن من جديد.

التحول الإقليمي الجديد، سواء كان حقيقياً أم مرتبطاً بأجندات مخفية، هو نتيجة للصمود السوري الذي حمى الدولة وكيانها ومنع سقوطها وجعل الدول والحكومات تعيد النظر في سياساتها.

بعضهم اعترف بالخطأ وبدأ خط العودة إلى دمشق، وآخرون يحاولون إعادة رسم سياساتهم العدائية والاستمرار بها بشكل جديد.

وإلى أن تظهر طبيعة التحول سيظل الصمود السوري جيشاً وشعباً وقيادة محور التحولات الإقليمية ورافعتها الأساسية.

عبد الرحيم أحمد

اقرأ أيضاً: أردوغان يتمنى لقاء الرئيس الأسد!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى