مقالات

المواجهة الأمريكية – الصينية .. بين الاقتصاد والعسكر

المواجهة الأمريكية – الصينية .. بين الاقتصاد والعسكر

 

لم تكن زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي إلى جزيرة تايوان الحدث الأول في سلسلة الاستفزازات الأمريكية للصين ودعم السلطات الانفصالية في الجزيرة، لكنها الزيارة الأعلى التي يقوم بها مسؤول رسمي أمريكي إلى تايبيه منذ 25 عاماً رغم أن الولايات المتحدة لا ترتبط بعلاقات سياسية رسمية مع الجزيرة وتعترف واشنطن بسيادة الصين عليها بموجب إعلان المبادئ الذي ينظم العلاقات السياسية بين واشنطن وبكين.

الولايات المتحدة تنظر إلى الصين على أنها التهديد الثاني للأمن القومي الأمريكي بعد روسيا، وربما كانت العدو الأول لواشنطن قبل الحرب الغربية – الروسية في أوكرانيا، وهي تخوض معها حرباً اقتصادية تجارية منذ عقود لكن الغلبة فيها بدأت تتوضح لصالح بكين التي تخوض الحرب الاقتصادية بصمت وثبات.

ففي معركة اليوان والدولار استطاعت الصين أن تثبت سعر صرف عملتها مقابل الدولار ما يعني دعم دخول منتجاتها إلى الأسواق الأمريكية وغير الأمريكية في مواجهة تجارية تميل كفتها للصين، وهذا ما تنظر إليه واشنطن كتحدٍ وتهديد لسيطرتها المالية.

وصلت قيمة الواردات الأمريكية من الصين عام 2021 نحو 463 مليار دولار فيما لم تتجاوز صادراتها إلى بكين 116 مليار دولار ما يعني عجزاً تجارياً لصالح الصين يقدر بنحو 347 مليار دولار، يأتي ذلك بعد أن أزاحت بكين واشنطن عام 2013 من على عرش التجارة العالمية.

أيضاً، تنظر واشنطن بقلق بالغ لمشروع الصين “مبادرة الحزام والطريق” الذي أطلقته بكين عام 2013 لتطوير التعاون الاقتصادي والتنموي بين الدول الواقعة على طريق الحرير التاريخي وانضمت إليه أكثر من مائة دولة حتى اليوم، وتعتبره الولايات المتحدة تهديداً للهيمنة الأمريكية في العالم وبدأت تعمل على محاربة المشروع عبر إنشاء أحلاف سياسية في جنوب شرق آسيا وفي محيط الصين الحيوي.

فهل تتحول الحرب الاقتصادية إلى حرب عسكرية بين البلدين بفعل دعم الولايات المتحدة للسلطات الانفصالية في تايوان وتزويدها بأنظمة صواريخ وطيران وغير ذلك من الأسلحة؟

طرحت بكين منذ عام 1980، صيغة “دولة واحدة ونظامان” للعلاقة بين بكين وتايبيه والتي تمنح تايوان الحكم الذاتي تحت السيادة الصينية، لكن السلطات الانفصالية في تايبيه ترفض ذلك وتعتمد على دعم واشنطن في هذا الرفض.

فقد أعلنت الرئيسة الحالية تساي إنغ وين، معارضة هذه الصيغة وأكدت أن تايوان لديها الولايات المتحدة حليف سياسي كبير وأكبر مورد للأسلحة.

صحيح أن زيارة بيلوسي إلى تايوان صعدت التوتر في العلاقات الصينية الأمريكية لكنه من المستبعد أن تتحول المواجهة إلى عسكرية شاملة.. فلا بكين راغبة في الدخول في حرب عسكرية مع واشنطن حالياً ولا الولايات المتحدة تريد من الزيارة أن تكون سبباً في إشعال حرب جديدة ولاسيما أن نيران الحرب الروسية الغربية في أوكرانيا مازالت تتصاعد.

فواشنطن التي ما فتئت تحذر بكين من مغبة استغلال الحرب الأوكرانية لشن عمليه عسكرية في تايوان، تريد من الزيارة التأكيد على أن الولايات المتحدة لن تتخل عن تايوان من جهة، ومن جهة ثانية اختبار ردة الفعل الصينية، وهي بدأت تستغل ردة فعل بكين وتستثمر في مواقف الدول منها.

وصف وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن المناورات التي بدأتها الصين حول تايوان كردٍ على زيارة بيلوسي بـ “التصعيد الكبير” معتبراً “عدم وجود مبرر” لها وأن الزيارة كانت سلمية.

فيما عبر وزراء خارجية بلدان مجموعة السبع الكبار عن قلق المجموعة من الأعمال “التهديدية” الصينية رداً على الزيارة معتبرين رد الفعل الصيني يهدد بتصعيد التوتر في المنطقة.

لكن بكين تعتبر السياسات الأمريكية تجاه تايوان انتهاك خطير للسيادة الصينية ولمبدأ صين واحدة الذي ينظم العلاقات بين البلدين وهذه السياسات هي السبب في توتير الأجواء في المنطقة وخصوصاً أن الرئيس الصيني شي جين بينغ حذر خلال مكالمة هاتفية مع الرئيس الأمريكي جو بايدن قبل زيارة بيلوسي من أن واشنطن يجب أن تلتزم بمبدأ صين واحدة وأن “أولئك الذين يلعبون بالنار سوف يموتون بها”.

وأطلقت الصين خلال المناورات التي شملت 6 مناطق في محيط تايوان صواريخ بالستية ونشرت طائرات مقاتلة وسفنا حربية حول الجزيرة، معلنة عن عدة مناطق خطرة يحظر دخولها في بعض ممرات الشحن البحري الأكثر انشغالا في العالم.

وكذلك فرضت عقوبات على بيلوسي واتخذت عدة إجراءات منها تعليق المفاوضات مع واشنطن بشأن تغير المناخ ومكافحة الجريمة العابرة للحدود، والتعاون في مجال مكافحة المخدرات” وألغت اجتماع عمل بين ممثلين عن وزارة الدفاع الصينية والولايات المتحدة وإنهاء الحوار على مستوى القيادتين العسكريتين الإقليميتين للصين والولايات المتحدة، وإنهاء الاجتماعات مع الممثلين الأمريكيين في إطار آلية الأمن البحري.

كل هذه الإجراءات الصينية تشي بأن بكين ليست ذاهبة في طريق المواجهة العسكرية المباشرة مع واشنطن، فلو أرادت ذلك لأغلقت المجال الجوي فوق تايوان ومنعت زيارة بيلوسي مع ما يستدعيه ذلك من ردات فعل، لكنها تريد توجيه رسالة حازمة لواشنطن بأن اللعب بالورقة التايوانية سيحرق المنطقة.

كذلك يستبعد أن تضغط واشنطن لدفع بكين إلى اللجوء إلى خيار العمل العسكري وضم تايوان بالقوة ليقينها أنها غير قادرة على الدفاع عن تايبيه في أي مواجهة عسكرية شاملة شبيهة بما يحصل في أوكرانيا، بل إن مواجهة كذلك ستلحق خسائر كبيرة بالقوات الأمريكية في المنطقة وسيتم تدمير أسطول الولايات المتحدة وجميع القواعد الأمريكية في المحيط الهادئ.

رغم ذلك لن تتوقف الولايات المتحدة عن إثارة التوترات في العالم، وعلى العالم ومنه الصين وروسيا ودول البريكس وإيران وسورية زيادة التعاون للحد من هيمنة واشنطن العالمية وإيجاد نظام عالمي تعددي ينهي عصر القطبية الأمريكية ويوقف انتهاكات واشنطن لسيادة الدول ومنعها من التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

كليك نيوز – عبد الرحيم أحمد

اقرأ أيضاً: “رغيف الخبز” يجمع دول بلاد الشام والعراق

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى